مقال نشر في القدس العربي بتاريخ 17-03-2008

القي العاهل السعودي الملك عبد الله خطابا افتتح فيه الدورة الرابعة لمجلس الشوري السعودي ركز فيه علي اهمية النقد البناء واعتبر هذا النقد مسؤولية تقع علي عاتق المواطن ايا كان موقعه ومركزه ومنصبه. وأقر انه هو بالذات يمارس هذا النقد البناء الهادف الي تحسين الاوضاع السياسية ومراجعة الاستراتيجيات والقرارات.

شيء جميل ان يمارس الملك هذا النوع من النقد الذاتي ولكن لم يعط جلالته أي اشارة او تنبيه الي مواطن هذا النقد وامكانه هل هو يا تري يحدث في مجال السياسة الاقتصادية او التعليمية او الدفاعية او الخارجية؟ وشدد جلالته علي مفهوم العدل واهميته في صياغة علاقة حميمة بين الحاكم والمحكوم والمسؤول عن ترتيب البيت وسياسته. طعم الملك خطابه بتجديد مفهوم النقد ومجالاته وربطه بالمفاهيم والثوابت والتقاليد اذ ان النقد البناء حسب هذا الخطاب يجب ان ينطلق من هذه الثوابت ولا يتجاوزها حتي يكون ايجابيا وهادفا.

نسي جلالته ان النقد قد يتحول الي ثرثرة او محاولة للفضفضة وافراغ الذات من حالة احتقان قد تضر بها، فالنقد بحد ذاته ليس سيئا لكنه قد يصبح حالة مستشرية يلجأ اليها المحتقن دون ان تعطي فائدة او نتيجة ملموسة الا اذا اقترنت وارتبطت ارتباطا عضويا بمؤسسة تستطيع ان تفّعل النقد وتحوله الي محاسبة نزيهة وهذا ما تفتقده السعودية. لا احد ينكر ان المجتمع السعودي يمارس عملية النقد هذه لانه مجتمع حي يتعايش مع التداعيات السياسية الداخلية والخارجية ولكن هذا النقد يواجه معضلتين اساسيتين في الوقت الحالي. اولاهما معضلة مجلس الشوري الذي خاطبه الملك وافتتح دورته الرابعة. يظل هذا المجلس معطلا لانه مجلس معين من قبل الملك وليس منتخبا. فأعضاؤه يمثلون السلطة وليس الشعب وطالما بقي هذا المجلس هكذا سيظل انتقاده لقرارات هذا الوزير او ذاك ثرثرة من النوع الخفيف والتي لا تعزل وزيرا او تحاسب مسؤولا. وان تحول هذا المجلس الي مؤسسة منتخبة يظل قاصرا ان حددت السلطة صلاحياته تماما كما يحصل في برلمانات الدول المجاورة. ثانيتهما عملية النقد البناء تحتاج الي حرية يضمنها القضاء فلا يسجن من ينطق بكلمة او يكتب عريضة او يوقع بيانا. وكل هذا مفقود في السعودية حتي هذه اللحظة. فمن سجن من يعترض علي اعتقالات تعسفية ومن يكتب مدونة فيها اشارات ولو من النوع الخفيف الي تقصير مسؤول او تجاوزات حاكم يجد نفسه في سجن كبير لا يعرف متي يخرج منه. دون المؤسسة ودون الحرية المضمونة من القضاء لن يتحول النقد الي استراتيجية هادفة تؤدي الي مراجعة السياسات التي تؤثر علي حياة المواطن. بل يصبح النقد في هذه الحالة مجازفة قد تفقد الناقد وظيفته او حريته او مصدر رزقه تماما كما هو الحال التي يعاني منها كثيرون من الذين تجرأوا وانتقدوا في السابق ليجدوا انفسهم متهمين اما بالخيانة للوطن والملك او محرضين علي الفتنة وخراب الديار او متجاوزين الحدود التي رسمها الملك في خطابه. هذه الحدود المبهمة التي تستحضر التقاليد والدين كستارة ترفع في وجهه الناقد وتستعمل ضده ان هو باح ببعض النقد الخفيف.

اليوم تعطي السلطة السياسية المواطن حق النقد ولكنه يبقي حقا ناقصا مبتورا لانه يحدد مسبقا التابو المتمثل بالملك ذاته وبالاسرة الحاكمة ورموزها الكبيرة تبقي هذه الرموز فوق النقد العلني وبما انها تتربع علي الوزارات الثقيلة والتي من اهمها وزارة الداخلية والدفاع والخارجية تظل بعيدة عن النقد وتظل سياساتها محصنة خلف التابو الممنوع والمحرم. فقد أعطيت الصلاحية للمجتمع وللمجلس ان ينتقد كل ما عدا ذلك الحيز المقدس والذي هو يؤثر علي حياة المواطن وامنه وعلاقته مع العالم الخارجي. فيسقط وزير تجارة ويستبدل ويقال وزير صحة او كهرباء ولكن الرمز الكبير يبقي محصنا وممتنعا عن النقد او المحاسبة كما هو الملك تماما.

كم تمنينا لو ان الملك ذاته اعلن عن تلك السياسات التي اتخذها هو ذاته ومن ثم انتقدها وراجع تداعياتها وهنا لا بد لنا ان نغوص في الذات الملكية حتي نستشرف اماكن النقد التي تطرق لها ورغم ان الملك عبد الله لم ينه سنته الثالثة في الحكم الا انه كان يدير دفته منذ منتصف التسعينات بعد تدهور الحالة الصحية للملك فهد. لقد وعد الملك رعيته سابقا بمحاربة الفقر وتقليص صلاحيات الاسرة الحاكمة كما وعدهم باصلاحات طويلة تطال مجالات مختلفة. تبني الملك مقولة الاصلاح وحشد لها طيفا كبيرا من النخب واسس لها مؤسسة تدعي الحوار الوطني والتي اجتمعت اطيافها وتحاورت ومن ثم انتهي الحوار الذي لم يؤد الي نتيجة ملموسة او تغيير جذري في آلية الحكم والتعامل مع الاطياف المتنوعة في المجتمع السعودي. صمت الحوار الوطني كما صمتت الاصوات الاجتماعية المطالبة بالاصلاح لان بعضها سجن او فقد الامل في التغيير المطلوب. عندما تبني الملك مصطلح الاصلاح كان بذلك يناجي المجتمع ويطلب مساندته لتثبيت دعائم حكم الاسرة في مرحلة حرجة عندما واجهت هذه الاسرة خطر الفئة الضالة التي وصفها الملك في خطابه الموجه الي مجلس الشوري. لوح الملك عند توليه العرش مجزرة الاصلاح فتدلت هذه الجزرة من افواه كثيرة لتواجه عصا العنف الذي ترافق مع تتويج الملك علي العرش السعودي. وبعد ان فتح النظام باب النقد عرف الجميع ان النقد له هدف واحد وهو مواجهة الفئة الضالة وليس الفوز باصلاحات جذرية. فانخرطت اطياف كثيرة في مراجعة الذات وانتقاد التطرف والمروجين له ولكنها لم تجرؤ علي ان تربط بين ظهور الفئة الضالة وبين سياسة الدولة. وبقيت هذه الاخيرة التابو المحرم الممتنع عن المساءلة او المحاسبة واختار الجميع ان يري هذه الفئة الضالة وكأنها هبطت علي البلاد كصحن طائر جاء من الفضاء الخارجي. كذبة الاصلاح التي روج لها الكثير انكشفت وبصورة سريعة عندما تمكنت الدولة من القضاء علي الفئة الضالة وحشرها في السجون او الاصلاحيات التي تتعاطي مع فيروس قاتل. فاستعانت الدولة بأطباء الارهاب من عالم دين الي مختص نفسي او اجتماعي. تطبيب الفئة الضالة نجح حتي هذه اللحظة بتعافي 700 شخص حسب تقارير الوزارة المكلفة بعملية العلاج واخرج هؤلاء من الاصلاحيات ليختلطوا بالعالم الخارجي بعد التيقن ان عدوي الفيروس لن تنتقل الي من يختلطون بهم.

عندما تبني الملك مفهوم الاصلاح واستدعي النخب لتنخرط في الترويج له ومن اغلق الباب علي بعض هذه النخب ايقن الجميع ان ثرثرة الاصلاح كانت استراتيجية مدروسة هدفها تجييش المجتمع في حرب السلطة مع فئتها الضالة وليس حشد النخب في عملية شحن ذهنية تقود المجتمع السعودي لتدعيم دولة مؤسسات ومشاركة سياسية فعالة ولو علي طريقة دول الجوار الخليجية. انتهت اكذوبة الاصلاح مع القضاء علي فيروس الفئة الضالة ولم يبق الا مساجين الرأي والذين حتي هذه اللحظة لم تتم محاكمتهم والبت بقضاياهم وانضم اليهم آخرون من المدونين والناشطين. آخرهم عبد الله الحامد الذي دخل الي السجن ربما للمرة السادسة بتهمة تحريض نساء المسجونين علي التظاهر.

تبين هذه الاحداث زيف الخطاب السلطوي المتسلط الذي يدخل اصلاحيا مسالما الي السجن بينما يفرج عن الناجي من فيروس الفئة الضالة. ربما ان النظام السعودي يخيفه اعتصام سلمي لنساء يبحثن عن العدالة بحق ازواجهن ولا يخيفه الفيروس القاتل المرتبط بالفئة الضالة ان استعملنا مصطلحات الملك في خطابه الي مجلس الشوري.

كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

موقع د. مضاوي الرشيد 

Advertisements