د. مضاوي الرشيد

04/02/2008

صدر يوم الجمعة الاول من شباط (فبراير) تقرير لجنة مكافحة التمييز ضد المرأة التابعة للامم المتحدة. وهو تقرير يدين الوضع المزري للمرأة السعودية وتخلفها عن الحصول علي المساواة والمشاركة في صنع القرار وغيابها كليا عن المناصب العامة، وتعرضها للعنف الاسري وتردي حالتها الصحية والخدمات المتوفرة لها مقارنة بما هو متوفر للرجل وارتفاع نسبة الامية بين النساء. وكل هذا علي خلفية توقيع السعودية وثيقة عالمية تدعو لانهاء التمييز حسب الجنس.
وتنبثق هذه الوثيقة من مبدأ ما يسمي بالـ Gender Equality اي المساواة بين المرأة والرجل. وهو مبدأ حديث العهد افرزته الحركة النسوية في الغرب وبدأ الآن يصدر الي العالم العربي والاسلامي مدعوما بأبحاث تمولها حكومات غربية اومؤسسات عالمية كالأمم المتحدة وبعض مؤسسات المجتمع المدني الغربي التي تحاول ان تخلق مثيلا لها في مجتمعات مختلفة ومتباينة لتصل الي هدفها، وهو مساواة بين الجنسين. والكل يعلم ان مصطلح الجندر كغيره من المصطلحات الطارئة علي كثير من الشعوب يتم تبنيه رغم كونه لا يجد نظيرا له في لغات محلية كثيرة. ويبقي مفهومه مبهما ومشوشا في نظر الكثيرين من المعنيين بشأن المساواة بين الرجل والمرأة.
وها قد وصل حديث الجندر الي السعودية مع تقرير الامم المتحدة ولجنتها المعنية بالمساواة. وهذا لا يعني ان المطالبة بحقوق المرأة ومساواتها بالرجل في مجال الخدمات والحقوق والواجبات قد ارتبط بحديث الجندر الطارئ اذ ان هناك اصوات كثيرة تطالب بتحقيق هذه المساواة انبثقت في العقدين الماضيين طالبت بنوع من المساواة ولو علي استحياء ولكن اليوم نجد ان حديث الجندر القادم من الامم المتحدة يتواصل مع هذه المحاولات الداخلية ويعطيها مصداقية عالمية وزخما اعلاميا ربما لا تصل اصداؤه الي الداخل بل هو يساهم في ادانة ممارسات وثقافات ادت الي تهميش المرأة وزيادة نسبة الامية وتدني الخدمات الصحية الي ما هنالك من تمييز وتحيز ضد المرأة.
وكعادة دعاة حديث الجندر الاممي نجد انه لا يقل سطحية عن التقارير السابقة والدراسات التي تقوم بها مراكز ابحاث متخصصة في جندرة المعرفة اي ايصالها للجمهور من خلال اعطاء الاسبقية للصوت النسوي من اجل تفعيله وايصاله الي العالم. تنبثق السطحية هذه من كون التقرير يجتر ويعيد اجترار الاسباب المزعومة والتي تقف خلف تخلف المرأة وعدم مساواتها بالرجل في السعودية. اول ما يتهم هذا التقرير هو الوهابية او ما يسمي كذلك، ومن ثم ينتهي بالثقافة القبلية المؤثرة في المجتمع. فإن بقيت المرأة امية وغير حاصلة علي سرير في مستشفي ما ولم تتوج علي كرسي وزارة ولم تمتطي الطائرة لوحدها ولم تجلس خلف مقعد السياقة تجول شوارع الرياض وجدة وتستثني من بعض الوظائف وتمارس اجهزة الدولة التمييز بحقها. فكل هذه الآفات تنطلق من كوننا وهابيين قبليين. فمشكلتنا اذن في الدين والثقافة القبلية المهمينة. لا يتجاوز حديث الجندر هذا المسلمات الغربية ومنطلقاتها والتي تحصر الاسباب في ثقافة دينية وقبلية صرفة وتحملها مسؤولية عدم المساواة الحاصلة في السعودية. وقبل ان نبحث عن الحلول يجب ان نكون فكرة واضحة وصريحة عن اسباب الحالة المتردية في ما يتعلق بالمرأة. اولا قضية المرأة السعودية هي قضية لا يمكن فصلها والتعاطي معها من منظور ضيق بل هي جزء لا يتجزأ من حالة سياسية متخلفة بشكل عام أهم ملامحها يتعلق بالاستبداد السياسي وحرمان المواطن من المشاركة السياسية. فلا كرسي في مجلس الشوري ولا كرسي وزارة ما يعني بالضرورة مشاركة سياسية فعلية. وفي ظلال هذا الوضع نجد ان معاناة المرأة هي حالة مكثفة للتهميش الذي يعاني منه الرجل وان كان الرجل لا يتمتع بحقوق انسانية وسياسية واضحة فسنجد ان هذا يكون مزدوجا بالنسبة للمرأة فهي تهمش كما يهمش الرجل ولكنها ايضا تعاني من تهميش مزدوج ومركب ينطلق من كونها امرأة. قضية المرأة لا تحصر في كونها قضية صحة او وظيفة او تولي منصب عام بل هي قضية سياسية عامة لن تحلها تقارير الامم المتحدة لانها مرتبطة بنظام سياسي يمارس القمع والتهميش للمجتمع ويتفرد بالقرار. تسليط الضوء علي هذه الجزئيات ينزع الصفة السياسية ويزج بالقضية في خانة محدودة لن يأتي حلها عن طريق السماح للمرأة بالسكن في فندق دون محرم او قيادة للسيارة. ثانيا يزج التقرير بالموروث الديني ويحمله مسؤولية عدم المساواة والتمييز. وينسي التقرير ان هذا الموروث الديني هو نتاج حتمي للسلطة المطلقة التي وجدت فيه شرعية واهية ونصبت نفسها حامية للعرض والدين مستمدة بذلك غطاء بدأ ينكشف ويظهر للجميع. لم يتطور هذا الخطاب من فراغ او عدم بل هو مرتبط ارتباطا عضويا ببحث السلطة عن ركيزة لشرعية تستمدها من فتاويه وتفسيراته التي كانت وما تزال السلاح الاكثر فاعلية في ترويض وتدجين المجتمع ونزع جميع حقوقه السياسية. فجاء الخطاب الديني بمباركة السلطة وتبنيها وتمويلها ليكون اكثر قدرة علي التخدير والتحريم من سيف وزارة الداخلية واجهزتها الامنية. وهذا نتيجة كونه خطابا يزعم الارتباط بالمقدس والثوابت التي لا تقبل التمحيص او اعادة النظر.
الوهابية المدانة نفسها هي جزء من الاستبداد السياسي وخطابه المشرعن لاستمراريته. ثالثا الزج بالموروث القبلي كعامل يقف خلف ممارسات التمييز ضد المرأة هو عملية قاصرة عن اثبات العلاقة العضوية بين عدم المساواة والثقافة القبلية. كما هو الخطاب الديني نجد ان الموروث القبلي ينمو ويترعرع في ظل اطار مستبد عام وشامل وبما ان معظم المجتمعات العربية والاسلامية لا تزال تعيش تداعيات الموروث القبلي إلا ان هذا لم يمنع المرأة في اكثر المجتمعات قبلية من المشاركة السياسية او حتي قيادة السيارة والمشاركة في صنع القرار. اذا الموروث القبلي وحده لا يقف حجر عثرة في طريق التأصيل لحديث الجندر الذي يهجم علي المنطقة ويروج له اعلاميا.
فلا الموروث الديني ولا الثقافة القبلية يستطيعان ان يفسرا لماذا تطلق فاطمة من زوجها من منظور عدم تكافؤ النسب ولا اغتصاب فتاة القطيف من قبل سبعة شبان ولا يبرران الاحكام القضائية الجائرة بحق هاتين الامرأتين. يجب ان نبحث عن اسباب هذه الظواهر في اطار اكثر شمولا يستدعي التطورات السياسية العامة وحالة الاقصاء التي تمارسها الدولة بحق المجتمع رجالا ونساء.
جاءت هذه التطورات مصحوبة بتغييرات اجتماعية واقتصادية هائلة لم تعرفها الجزيرة العربية من قبل. فهل يمكننا ان نفهم التضييق المفروض علي المرأة ان لم نغص في متاهات النفط والعمالة الاجنبية وظاهرة البطالة واكتظاظ المدن والهجرة من الريف اليها؟ هل يمكننا ان نفهم التمييز ضد المرأة دون ان نغوص في الموضوع السياسي العام وحالة التهميش المطبقة بحق الرجل والمرأة؟ اثبتت الدراسات الجدية التي رصدت وضع المرأة السعودية والتي يقوم بها عدد قليل من العلماء الاجتماعيين والمفكرين ان تدني مستوي المرأة ارتبط بتطور الدولة الحديثة المركزية. ونستشهد هنا بدراسة عن مدينة عنيزة في القصيم وسوقها القديم والتي قامت بها الدكتورة ثريا التركي حيث وجدت ان المرأة دخلت السوق وعملت وبذلت جهدا كبيرا في مجال الاقتصاد ولم تتقلص مساحة عملها الا بعد قدوم اليد العاملة الاجنبية خلال الفترة النفطية الاولي في السبعينيات. ودراسة اخري عن وضع المرأة في مكة المكرمة تشير بشكل واضح وصريح الي دور المرأة ومشاركتها في تفعيل القضاء والمشاركة حتي في المجال الفقهي والديني. لقد ولت هذه النماذج المضيئة وهربت الي ارشيف التاريخ وارتبط هذا الهروب بتبلور سلطة سياسية مركزية تساندها سلطة دينية مرتبطة بها ومعتاشة علي فتاتها. استطاعت السلطة السياسية ان تنتزع من السلطة الدينية قدرتها علي التأثير في المجال السياسي العام فأنكفأت السلطة الدينية وحصرت دورها في التقييد علي المرأة تعويضا عن خسارتها التاريخية تحت مظلة الحكم السعودي. وبهذا اصبحت المرأة والتضييق عليها شغلهما الشاغل متناسين المجالات الاخري والتي ازيحوا عنها.
حديث الجندر الناقص والمغلوط والآتي من الخارج هو سلاح ستلجأ اليه السلطة السياسية لتبرهن انها ما تزال الحامي المدافع عن العفة والطهارة امام الغزو الثقافي الآتي من الخارج. وبذلك نجد ان حديث الجندر هذا يصب في مصلحة النظام الذي يبقي منزها ومرتفعا عن الادانة في تقرير الامم المتحدة وغيره من التقريرات. ولا يصب في مسألة قضية المرأة. ومن يطمح الي تغيير الوضع لن يجد فيه سوي جزئيات لا يمكن حلها ما دامت الحقوق السياسية العامة مغيبة، غيبتها ممارسات التجاهل والقمع من قبل النظام. وسترون كيف سيعلن في القريب العاجل رفع الحظر علي قيادة المرأة للسيارة. وسيكون هذا ربما خاتمة الاصلاح بعد صفقة تجريها السلطة السياسية مع السلطة الدينية او انها ستتجاهل احتجاجاتها كما تجاهلت غيرها في الماضي. سيبقي حديث الجندر ناقصا غير قادر علي انتشال المرأة السعودية من غياهب التسلط السياسي العام.

 كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

القدس العربي

Advertisements