تعتبر اجتماعات وزراء الداخلية العرب التي تعقد بشكل سنوي في العاصمة التونسية نموذجا فريدا في العمل العربي المشترك، فمن النادر ان يتغيب عنها وزير داخلية عربي، وتذوب في كواليسها كل الخلافات العربية، فتجد وزير الداخلية العراقي يجلس جنبا الي جنب مع نظيره الكويتي في ذروة الازمة بين البلدين، والسعودي الي جانب الليبي وهكذا.
السر في هذا الانسجام، والترفع عن الخلافات، هو الهدف المشترك الذي يجمع هؤلاء، وهو الحفاظ علي الانظمة الديكتاتورية القائمة، وترسيخ ادواتها القمعية، وكبح الحريات العامة، وانتهاك حقوق الانسان بكل الطرق والوسائل.
تحقيق هذا الهدف المشترك يتطلب تعاون جميع الاجهزة الامنية في الدول العربية، من حيث تبادل المعلومات والخبرات، وضبط الحدود، واعتقال السياسيين المطلوبين، وتسليمهم الي البلدان التي تطاردهم، حتي لو كانوا سيواجهون عقوبات الاعدام او السجن المؤبد، والتعذيب باشكاله كافة.
التعاون بين وزراء الداخلية العرب لا يتم من اجل مكافحة الجريمة والتصدي للفساد، وغسيل الاموال، وان تم ففي الحدود الدنيا، لان معظم المتورطين في هذه الجرائم هم من ابناء الانظمة، او المقربين من الحيتان الكبري فيها، ولهذا تحتل الدول العربية مكانة متقدمة علي قائمة اكثر الدول فسادا واهدارا للمال العام، وكذلك انتهاك حقوق الانسان في الوقت نفسه.
بالامس تبني مؤتمر وزراء الداخلية العرب، وبالاجماع التام، في ختام اعماله قرارا بادخال تعديلات جديدة علي الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب، بحيث يتم بموجبها تجريم التحريض علي الجرائم الارهابية، او الاشادة بها، او نشر او طبع او اعداد محررات او مطبوعات او تسجيلات، ايا كان نوعها للاطلاع او لاطلاع الغير عليها بهدف تشجيع ارتكاب هذه الجرائم .
خطورة هذه التعديلات انها تعطي الانظمة الديكتاتورية العربية ذريعة اضافية، لاعتقال الكثيرين، ومن بينهم رجال الاعلام، واصحاب المدونات علي الانترنت ، والزج بهم في السجون والمعتقلات دون اي رحمة.
فوزراء الداخلية العرب لم يقدموا لنا تعريفا محددا للارهاب، ومن هو الارهابي، فأي انتقاد للسلطات الحاكمة علي شبكة الانترنت سيصب في خانة الترويج للارهاب، خاصة اذا تناول الاساليب القمعية للانظمة الحاكمة، ونهب ابنائها للمال العام.
الانظمة التي تحكم بقوانين الطواريء في معظمها، لن تتردد في اعطاء التفسيرات التي تريد للارهاب والارهابيين، وكذلك للمواد الصحافية المنشورة، سواء في الصحف او الفضائيات او علي شبكة الانترنت ، والشيء نفسه ينطبق علي مسألة التحريض او الترويج للارهاب، فوجود اي شريط او نص خطاب لزعيم تنظيم القاعدة او نائبه في منزل اي مواطن عربي، او علي مدونته يمكن ان يعتبر ترويجا للارهاب وتحريضا عليه بمقتضي التعديلات المذكورة.
اننا نخشي، وفي ظل هذه التعديلات السنوية التي يدخلها وزراء الداخلية العرب في اجتماعاتهم للقوانين و الاستراتيجيات ان نري حركات مقاومة للاحتلال في فلسطين والعراق مدرجة علي قوائم الارهاب في المستقبل القريب، مثل حماس و الجهاد الاسلامي ، والوية الناصر صلاح الدين، وكتائب شهداء الاقصي في فلسطين، و حزب الله في لبنان، وكتائب ثورة العشرين، والجيش الاسلامي، وانصار الاسلام في العراق وهكذا.
نحن ندين الارهاب بكل اشكاله وانواعه، مثلما ندين قتل المدنيين، سواء من جماعات التطرف او الانظمة الديكتاتورية الحاكمة في الوقت نفسه، ولكننا نريد تعريفا واضحا لهذا الارهاب، والتفريق الدقيق بينه وبين اعمال المقاومة المشروعة للاحتلال، وان يكون هناك قضاء مستقل يفصل في هذه الامور بشكل مهني وعلمي حماية للدولة وللمواطنين في الوقت نفسه.

القدس العربي

Advertisements