مقال رائع للاستاذ صقر العنزي عن الفساد في صحيفة اليوم

الفساد

صقر العنزي

يعتبر الفساد اليوم ازمة عالمية ومشكلة كبرى تعاني منها المجتمعات والدول, والتي تسخر من اجل محاربته الملايين الطائلة. لما له من اثار اقتصادية وسياسية واجتماعية سلبية وكارثية مدمرة على نمو وتطور وانتاجية المجتمعات. فهو معول الهدم والمعيق الاول للتنمية والتطور الحضاري. وكل مجتمع مهما علت منزلته او هبطت فهو ليس بمنأى عن هذا المرض العضال, ولا بد ان يناله سهم من سهامه المسمومة. فنسبة الفساد تختلف من مجتمع لآخر, فيقل في المجتمعات الديمقراطية الراقية التي شاعت فيها الحرية واحترام حقوق الانسان, واوجدت قوانين صارمة تطبق بشكل دقيق لتحد من انتشار الفاسد وتفشيه بالمجتمع, ويكثر في دول اخرى وخاصة تلك التي وقعت تحت رحمة الشبكات المنظمة والمافيا والاخرى التي يعبث بها الثنائي الخطير الفقر والجهل حتى لانك تخاله قد تحول الى عادة مستديمة وعلامة بارزة تميزت بها تلك المجتمعات عن غيرها.
والمجتمعات العربية ليست بمنأى عن هذا كله, هذا ان لم تكن اغلبها مرتعا للفساد الممنهج والمنظم. وقد اظهرت الكثير من التقارير لمنظمات عاليمة مثل منظمة الشفافية العالمية مدى استفحال الفساد في الوطن العربي وضخامته, فهي دائما تأتي في مراتب متأخرة في سلم الترتيب, هذا مع ان هذه التقارير تحتاج من متابعها الى تروي وحيطة وحذر, فكثير منها ملغم, وتدخل فيها عوامل سياسية تحيد بها عن هدفها الاساسي من اجل تحقيق مصالح الدول الكبرى والضغط على دول اخرى.
من اسوء صور الفساد التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية هو الاستبداد وغياب الحريات, وهضم الحقوق وانتهاك (انسانية) الانسان وقدسيته في الحياة. كذلك النهب لثروات البلد, وسوء توزيع الثروة وتكدسها في يد قلة قليلة تتصرف بها كيف تشاء, ومتى تشاء, بينما تحرم منها بقية المجتمع الذي يعيش على الكفاف ومصارعة ومكافحة عاديات الزمان. فكيف بارض هي جنة الأرض وهبها الله الخيرات وتجري فيها الانهار, يعيش اهلها حياة الحرمان والعوز والجوع !! ويدفع الحال السيىء ببعضهم الى ممارسة اعمال لا يقرونها ولكن دفعها لهم جور الزمان وظلم الفاسدين. كل ذلك من شانه ان يخلق حالة من الفوضى ويزيد من اعباء المجتمع ومن حالة النقمة والقلق وانعدام الثقة بين افراده, ويدفع به نحو الهاوية والى مستقبل مجهول.
كذلك من صور الفساد المنتشرة بشكل فاضح توسيد الامر لغير أهله, وسوء استعمال السلطة من اجل تحقيق مصالح ومكاسب شخصية, واغتصاب الملكيات الخاصة واختلاس الاموال والاحتكار ودفع الرشاوى للحصول على منفعة خاصة, ويكثر هذا في البرامج والمشاريع الكبيرة ذات العقود الضخمة التي اصبحت تدر مالا وفيرا على اصحابها دون تعب او نصب. فبينما كان من المفترض ان تذهب هذه الاموال لبناء برامج ومشاريع تنموية ذات جودة عالية لخدمة المجتمع وتطوره ورفاهيته. فاذا بها تذهب نحو (المجهول) ويعطى لتلك المشاريع ما تبقى من فتات المائدة لتخرج بشكل مشوّه, او تموت في مهدها في كثير من الاحيان.
وهناك الكثير من الصور الاخرى المشاهدة على كافة المستويات والاصعدة والتي لا تحتاج الى ذكر هنا فالمواطن العربي العادي يراها في حياته اليومية بشكل دائم ومستمر, بل اصبحت بعض الممارسات مشروعة في نظر واعتقاد البعض, لضيق اليد وايضا ردة فعل على فساد أكبر منه يراه شاخصا أمامه كل يوم.
ولعل الحل الناجع لهذا المرض العضال هو وجود قوة دافعة تجعل من محاربته اولوية بارزة في المجتمع, والتزاما اخلاقيا لا حيدة عنه, والقيام ببرامج اصلاحية حقيقة وليست حبرا على ورق واشاعة الحرية والديمقراطية في المجتمع, ومشاركة الشعب في تحمل المسؤولية, ومن ثم سن قوانين تجرم الفساد وتحاربه للتخيفف من وطأته وضرره على المجتمع, وتطبيق تلك القوانين بشكل صارم. ورغم ذلك قد يكون ليس باستطاعة دولة ما ان تزيل الفساد تماما من ارضها وتقضي عليه من جذوره فهذا حلم جميل بعيد المنال ولكن على اقل تقدير العمل من أجل ذلك وبذل الجهد وتظافر الجهود الشعبية والرسمية, فافراد المجتمع عليهم مسؤولية كبرى في محاربة الفساد بكافة اشكاله وانواعه, فالسكوت عنه يعتبر مشاركة ضمنية فيه.
smanazi@hotmail.com

 صحيفة اليوم

Advertisements